ابن قيم الجوزية

159

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

حالة الجمعية تقوى بها على تفرقة الأمر والبقاء به . فيرد من هذا على هذا ، ومن هذا على هذا . فإذا جاءت تفرقة الأمر قال : أتفرق للّه ليجمعني عليه . وإذا جاءت الجمعية قال : أجتمع لأتقوى على أمر اللّه ورضاه ، لا لمجرد حظي ولذتي من هذه الجمعية . فما أكثر من يغيب بحظه منها ، ولذتها ونعيمها وطيبها ، عن مراد اللّه منه . فتدبر هذا الفصل ، وأحط به علما . فإنه من قواعد السلوك والمعرفة . وكم قد زلّت فيه من أقدام ، وضلت فيه من أفهام . ومن عرف ما عند الناس ، ونهض من مدينة طبعه إلى السير إلى اللّه ، عرف مقداره . فمن عرفه عرف مجامع الطرق ، ومفترق الطرق ، التي تفرقت بالسالكين ، وأهل العلم والنظر . واللّه سبحانه الموفق للصواب . الفرق بين المشيئة والمحبة والرضا أصل ذلك كله : هو الفرق بين محبة اللّه ورضاه ، ومشيئته وإرادته الكونية ، ومنشأ الضلال في هذا الباب : من التسوية بينهما ، أو اعتقاد تلازمهما . فسوى بينهما الجبرية والقدرية ، وقالوا : المشيئة والمحبة سواء ، أو متلازمان . ثم اختلفوا . فقالت الجبرية : الكون كله - قضاؤه وقدره ، طاعته ومعاصيه ، خيره وشره - فهو محبوبه . ثم من تعبد منهم ، وسلك على هذا الاعتقاد : رأى أن الأفعال جميعها محبوبة للرب . إذ هي صادرة عن مشيئته . وهي عين محبته ورضاه . وفني في هذا الشهود الذي كان اعتقادا . ثم صار مشهدا . فلزم من ذلك ما تقدم ، من أنه لا يستقبح سيئة ، ولا يستنكر منكرا . وتلك اللوازم الباطلة المنافية للشرائع جملة . ولما ورد على هؤلاء قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزّمر : 7 ] وقوله : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) [ الإسراء : 38 ] واعتاص عليهم كيف يكون مكروها له . وقد أراد كونه ؟ وكيف لا يحبه ، وقد أراد وجوده ؟ أوّلوا هذه الآيات ونحوها بأنه لا يحبها دينا . ولا يرضاها شرعا . ويكرهها كذلك ، بمعنى أنه لا يشرعها ، مع كونه يحب وجودها ويريده . فشهدوا في مقام الفناء كونها محبوبة الوجود . ورأوا أن المحبة تقتضي موافقة المحبوب فيما يحبه . والكون كله محبوبه . فأحبوا - بزعمهم - جميع ما في الكون ، وكذبوا وتناقضوا . فإنما أحبوا ما تهواه نفوسهم وإرادتهم . فإذا كان في الكون ما لا يلائم أحدهم ويكرهه طبعه : أبغضه ، ونفر منه وكرهه ، مع كونه مرادا للمحبوب . فأين الموافقة ؟ وإنما وافقوا أهواءهم وإراداتهم . ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء . وهذه قضاء من قضائه . فنحن نرضى بها . فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها ، ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء ؟ فتركب من اعتقادهم : كونها محبوبة للرب ، وكونهم مأمورين بالرضا بها ، والتسوية بين الأفعال ، وعدم استقباح شيء منها أو إنكاره . وانضاف إلى ذلك اعتقادهم جبر العبد عليها ، وأنها ليست فعله . فلزم من ذلك : رفع الأمر والنهي ، وطيّ بساط الشرع ، والاستسلام للقدر ، والذهاب معه